يُعدّ إطار الجدارات نموذجًا منظّمًا يحدد المعارف والمهارات والسلوكيات التي يحتاجها كل دور وظيفي ليُؤدَّى بفعالية، ويربط هذه المتطلبات مباشرة باتجاه الشركة وأهدافها. وحين يُبنى بشكل صحيح، يمنح هذا الإطار وضوحًا حول ما يعنيه الأداء الجيد، ويؤسس رابطًا مباشرًا بين أداء الفرد وأداء المؤسسة ككل. اليوم، يضيف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة عليه؛ فبدل أن يُبنى مرة واحدة ويبقى ثابتًا لسنوات، يصبح الإطار قادرًا على التحديث المستمر بما يواكب التغيّر السريع في طبيعة العمل نفسه.
الجدارات هي "الكيفية"
إذا كان اتجاه الشركة يُحدد الوجهة ("أين نريد أن نصل")، والمسؤوليات الوظيفية تُحدد نطاق العمل ("ماذا نفعل")، فإن الجدارات هي الطريق الذي يربط بينهما ليُجيب عن السؤال الأهم: "كيف نصل إلى هناك".
حين تضع المؤسسة هدفًا استراتيجيًا، فإن هذا الهدف وحده لا يوجه الموظف إلى أسلوب العمل المطلوب صباح كل يوم. فالمسؤوليات الوظيفية تحدد المهام، لكنها لا تحدد السلوكيات والمهارات اللازمة لإنجازها بتميز. من هنا، تأتي الجدارات كالمحرك الذي يُترجم استراتيجية الشركة ومسؤوليات الوظيفة إلى ممارسات يومية واضحة. وبدون هذه الحلقة، تبقى استراتيجية الشركة رؤية معلّقة في غرفة استقبال الشركة، ويبقى العمل اليومي مجرد إنجاز لمهام روتينية غير مرتبطة بالأهداف الكبرى.
لماذا يُبنى على الجدارات كل شيء آخر؟
ليست الجدارات مجرد أداة معزولة تستخدمها الموارد البشرية، بل هي المرجع الأساسي الذي تنطلق منه كافة قرارات إدارة المواهب. وتعود جذور هذا المفهوم إلى عام 1973، عندما نشر عالم النفس ديفيد ماكليلاند (McClelland) بحثه الشهير في مجلة American Psychologist، مؤكدًا أن الجدارات المرتبطة بمتطلبات العمل المباشرة أكثر دقة في التنبؤ بالأداء العالي من اختبارات الذكاء التقليدية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الجدارات هي اللغة المشتركة التي تُبنى عليها عمليات التوظيف، إدارة الأداء، التطوير الوظيفي، والتخطيط للإحلال.
هذا الترابط الوثيق يجعل جودة إطار الجدارات مسألة حاسمة ومصيرية للمؤسسة، وليس مجرد تفصيل إداري. فعندما يكون الإطار دقيقًا ومرنًا، تنعكس فائدته على جميع قرارات إدارة المواهب. أما إذا كان ضعيفًا أو متهالكًا، فإن أثره السلبي يتسرب مباشرة لجميع الممارسات: من اختيار المرشحين وتحديد الترقيات، إلى توجيه ميزانيات التدريب. ولذا، ليس مستغربًا أن يُظهر استطلاع أجرته جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM) عام 2018 والذي يشمل 510 من كبار المسؤولين التنفيذيين لوحدات الأعمال، أن 93% منهم يعتبرون نماذج الجدارات "مهمة" أو "مهمة جدًا" لنجاح أعمال وحداتهم.
لماذا تفشل الأطر التقليدية؟
رغم أهميتها العالية، تعاني أطر الجدارات التقليدية من أربعة فجوات جوهرية تؤدي في كثير من الأحيان إلى فشلها:
- الشيخوخة المبكرة (البطء الشديد): يستغرق تصميم واعتماد وتطبيق إطار الجدارات التقليدي ما بين 12 إلى 18 شهرًا. وبحلول اللحظة التي يُدرج فيها الإطار في أنظمة المؤسسة، تكون طبيعة العمل وسياق السوق قد تغيرا بالفعل.
- الانفصال عن الواقع اليومي: كثيرًا ما ينتهي المطاف بهذه الأطر كملفات مخزنة لا يقرأها أحد. فالموظف لا يعيش يومه الوظيفي من خلال قوائم الجدارات، بل من خلال قراراته ومهامه المباشرة؛ وعندما لا ينعكس الإطار على هذه التفاصيل اليومية، يتحول إلى مجرد إجراء إداري بلا فائدة حقيقية.
- الفجوة الاستراتيجية: تُبنى الأطر عادةً لخدمة خطة استراتيجية محددة، لكن وبسبب بطء التحديث، تتغير أولويات الشركة قبل اكتمال التطبيق. والنتيجة هي إطار مكتمل شكليًا وإداريًا، لكنه منفصل كليًا عن توجه الشركة الحالي.
- العجز عن مواكبة تسارع المهارات: وفقًا لتقرير "مستقبل الوظائف 2025" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، تتوقع الشركات أن يتغير 39% من المهارات الأساسية للعاملين بحلول عام 2030. إن إطارًا ثابتًا يُراجع كل عامين أو ثلاثة أعوام لا يمكنه ببساطة التكيف مع هذا المعدل السريع من التحول.
من القائمة الثابتة إلى الجدارات الحية
إن الحل لهذه الاختلالات الأربعة لا يكمن في التخلي عن مفهوم الجدارات، بل في إعادة تعريف الطريقة التي تُبنى وتُحدَّث بها. يصف المحلل المتخصص في الموارد البشرية جوش بيرسين (Josh Bersin) هذا التحول بدقة؛ فبدلًا من الاعتماد على نموذج الجدارات التقليدي الثابت، تتجه المؤسسات اليوم نحو بناء "قاعدة بيانات ديناميكية موحدة للمهارات"، وهي عبارة عن تصنيف شامل يتضمن آلاف المهارات المترابطة هرميًا، وتُحدَّث تلقائيًا باستمرار بدلاً من إعادة بنائها كليًا كل عام أو عامين.
يكمن الفرق الجوهري هنا في طبيعة النموذج لا في حجم القائمة. فبينما يفترض الإطار التقليدي أن المهارات ثابتة نسبيًا وتحتاج فقط إلى مراجعة دورية، يعامل النموذج المدعوم بالذكاء الاصطناعي المهارات كعنصرٍ حيّ ومتجدد؛ يظهر منه الجديد ويتقادم القديم بمرونة عالية. ويرى بيرسين أن الدور الحديث لـ"مهندس المهارات" يكمن في بناء نظام يسمح بالتحديث المستمر لنماذج المهارات بالتوازي مع تحولات السوق، دون انتظار الدورات الإدارية التقليدية.
وبهذا المعنى، لا يلغي الذكاء الاصطناعي إطار الجدارات، بل يعالج الأزمة الهيكلية الأكبر: عجز الإطار الثابت عن مجاراة وتيرة التغيّر السريعة في سوق العمل.
الدليل: الأثر الفعلي
تشير البيانات الصادرة عن مصادر بحثية مستقلة إلى اتجاه واضح وقاطع. ففي دراسة أجرتها شركة ديلويت (Deloitte) عام 2022 شملت أكثر من 1,000 موظف و225 من قادة الأعمال والموارد البشرية عبر 10 دول، أظهرت النتائج أن المؤسسات التي تبنّت النموذج القائم على المهارات كانت أكثر احتمالاً بنسبة 63% لتحقيق أهدافها المرجوة، وأعلى فرصة بنسبة 98% للاحتفاظ بأصحاب الأداء المتميز.
| المصدر | حجم العينة | النتيجة |
|---|---|---|
| Deloitte (2022) | أكثر من 1,000 موظف و225 من قادة الأعمال والموارد البشرية عبر 10 دول | المؤسسات القائمة على المهارات كانت أكثر احتمالاً بنسبة 63% لتحقيق أهدافها المرجوة، وبنسبة 98% للاحتفاظ بأصحاب الأداء المتميز |
| Workday (2024، نُشر مارس 2025) | أكثر من 2,300 من قادة الأعمال | بدأ 55% منهم فعليًا الانتقال إلى نموذج المواهب القائم على المهارات؛ وخططت نسبة 23% إضافية للبدء خلال 12 شهرًا |
| Gartner (أكتوبر 2024) | قادة أعمال عالميًا | وافق 85% منهم على أن الحاجة لتطوير المهارات ستشهد قفزة كبيرة خلال السنوات الثلاث القادمة، مدفوعة بالذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية |
ولم يعد هذا التحول مجرد أطروحة نظرية، بل تجسد عملياً في الشركات. فوفقاً لاستطلاع شركة ورك داي (Workday) لعام 2024 (المنشور في مارس 2025) لشريحة تضم أكثر من 2,300 من قادة الأعمال، أفاد 55% منهم بأنهم بدؤوا بالفعل الانتقال إلى نموذج إدارة المواهب القائم على المهارات، بينما أكدت نسبة 23% إضافية تخطيطها للبدء خلال الاثني عشر شهراً القادمة.
ويعزز هذا المسار استطلاع منفصل أجرته شركة غارتنر (Gartner) في أكتوبر 2024؛ حيث أجمع 85% من قادة الأعمال على أن الحاجة لتطوير المهارات ستشهد قفزة كبيرة خلال السنوات الثلاث القادمة، تحت تأثير التحولات المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.
لم تنتظر هذه المؤسسات اكتمال إطار جدارات مثالي؛ فالأرقام أعلاه وحدها كانت كافية لتوضيح أن كلفة التأخير تجاوزت كلفة اتخاذ خطوة غير مكتملة.
الاعتراض الذي نأخذه على محمل الجد: حدود الذكاء الاصطناعي
إن التحول نحو النموذج الحي لا يعني الاندفاع غير المشروط خلف التقنية؛ فتبني الذكاء الاصطناعي بلا تحفظ يخلق مخاطر جديدة لا تقل خطورة عن جمود الأطر التقليدية. والاعتماد الكامل عليه في بناء وتحديث الجدارات يحمل محاذير صريحة، يحرص أبرز المتخصصين في هذا المجال على التنبيه إليها قبل غيرهم. إذ يحذر جوش بيرسين نفسه من الثقة المطلقة في مخرجات الذكاء الاصطناعي، داعيًا القادة إلى التعامل معها كـ"محرك للفرضيات، لا كمصدر مطلق للحقيقة"؛ أي كمحطة أولى للتحقق، لا كإجابة نهائية جاهزة للاعتماد المباشر.
لهذا التنبيه انعكاس عملي مباشر على القرارات التنظيمية الحساسة. تنصح شركة ديلويت (Deloitte) في أحد تقاريرها بعدم الاعتماد الحصري على المهارات التي يستنتجها الذكاء الاصطناعي عند اتخاذ قرارات عالية الأثر والخطورة، مثل الترقيات الوظيفية أو تحديد الأجور. وتدعو بدلاً من ذلك إلى الاستعانة بتقييمات بشرية موثقة ومتحقق منها لهذه القرارات تحديداً، مع ترك البيانات المستنتجة آلياً للاستخدامات الأقل حساسية، كالمقترحات التدريبية.
وتُضاف إلى ذلك المخاوف المتعلقة بالتحيز الخوارزمي ذاته؛ فقد أظهر استطلاع لشركة غارتنر (Gartner) أن أكثر من نصف قادة الموارد البشرية المشاركين يتملكهم القلق من احتمال وجود تحيز أو تمييز ناتج عن أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة. ولأن خطر التحيز في هذه الأنظمة يُعد تحدياً حقيقياً، فإن الممارسة المهنية السليمة تتطلب من قادة الموارد البشرية من اتخاذ مخرجات الذكاء على كونها اقتراحات تسرع عملية بناء أُطُر الجدارات, ولكن تجب التحقق منها قبل إعتمادها.
كيف يبدو هذا في الممارسة؟
يُترجم هذا النهج في منصة "لوموفاي" (Lumofy) عبر وكيل ذكاء اصطناعي متخصص في بناء الجدارات؛ حيث يحلل هذا الوكيل استراتيجية المؤسسة وهيكلها التنظيمي وقيمها، ثم يقارن هذه المدخلات بأفضل الممارسات والمعايير المعتمدة في القطاع. وبناءً على ذلك، يُصمم إطار جدارات شاملاً يغطي الجوانب التقنية والسلوكية والإدارية، متضمنًا مستويات الإتقان المحددة والوصف الوظيفي المقترن بكل دور.
والنتيجة هي بناء إطار متكامل خلال دقائق معدودة بدلاً من استغراق أشهر طويلة. ولا يعني هذا استبدال العنصر البشري، بل يمنح فريق الموارد البشرية نقطة انطلاق موثوقة ومدروسة للبناء عليها بدلاً من البدء من نقطة الصفر.
وهذا تحديدًا ما جسدته تجربة "إيكيا البحرين" في تطبيقها الفعلي؛ وهي قصة نجاح نستعرض تفاصيلها الكاملة في مقال منفصل، نتتبع فيه كيف انتقلت المؤسسة من إطار جدارات تقليدي إلى نموذج حي يواكب احتياجاتها المتغيرة باستمرار.
ماذا يعني هذا لقادة الموارد البشرية والتطوير؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بحيازة أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل بإدراك أن إطار الجدارات ليس مجرد وثيقة تُنجز مرة واحدة ثم تُؤرشف، بل هو نظام حي يحتاج إلى رعاية وتحديث مستمرين. فالسؤال الحقيقي الذي يواجه كل قائد موارد بشرية اليوم ليس: "هل نملك إطار جدارات؟"، بل: "هل ما زال إطارنا يعكس المؤسسة التي أصبحنا عليها اليوم، أم أنه يمثل المؤسسة كما كانت حين بُني الإطار؟"
إن القادة الذين يأخذون هذا السؤال على محمل الجد يفتحون الباب أمام تمكين حقيقي لكل الممارسات المبنية على الجدارات؛ بدءًا من أداءٍ يُقاس بعدالة، وتطويرٍ يستهدف الفجوات الحقيقية، وصولاً إلى مسارات ترقية واضحة ومُبررة. أما من يتعامل مع إطاره كملف مُغلق، فسيجد نفسه يُكرر الأسئلة ذاتها كل بضع سنوات دون الوصول إلى إجابة مستدامة.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين إطار الجدارات وقائمة المهارات؟
تُعدّد قائمة المهارات ما يعرفه الموظف أو يستطيع فعله، بينما يربط إطار الجدارات هذه المهارات بسلوكيات محددة ومستويات إتقان مقترنة بدور وظيفي معين، ويصلها مباشرة باتجاه المؤسسة وأهدافها الاستراتيجية.
كم من الوقت يستغرق بناء إطار جدارات تقليدي؟
يستغرق البناء التقليدي عادةً ما بين 12 إلى 18 شهرًا من التصميم والتحقق والتطبيق؛ وهي مدة زمنية طويلة كافية لتغيّر السياق التنظيمي الذي بُني الإطار من أجله أصلًا.
هل يلغي الذكاء الاصطناعي الحاجة لإطار الجدارات؟
لا. الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل طريقة بناء الإطار وتحديثه دون أن يُلغي الحاجة إليه؛ فهو يحوّله من نموذج ثابت يُراجع دوريًا كل سنوات، إلى نظام حي يُحدَّث باستمرار مع تغير متطلبات العمل.
هل يمكن الاعتماد كليًا على الذكاء الاصطناعي في قرارات الترقية أو تحديد الأجور؟
لا يُنصح بذلك. القرارات عالية الأثر تستلزم تقييمات بشرية موثقة ومتحقق منها لضمان العدالة، بينما تُعد المخرجات المستنتجة آليًا كافية للاستخدامات التوجيهية والأقل حساسية، مثل المقترحات التدريبية.
ما أبرز علامات إطار الجدارات الذي أصبح متقادمًا؟
تتجلى القدم في ثلاث علامات رئيسية: عدم تحديث الإطار منذ أكثر من عامين رغم تغيّر استراتيجية المؤسسة، وتجنب المدراء الرجوع إليه عند اتخاذ قرارات التطوير والترقية، وشعور الموظفين بأن الإطار لا يمت بصلة لطبيعة مهامهم اليومية الفعلية.


